نخبة من الأكاديميين

20

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

البيزنطية الاقتصادية . فقد عانت اليمن حينذاك ، تراجعاً في نفوذها السياسي ، ترك تأثيراً واضحاً على أنظمتها الزراعية ، وكان حافزاً لغزو الأحباش لها في القرن الرابع الميلادي ، تحت ستار الدعم لتيّار النصرنة الصاعد فيها ، بينما كان الهدف الأساسي له ، هو السيطرة على حركتها التجارية ، دون أن نستثني الواقع السياسي وراء هذه المحاولة ، التي ربما حرّض عليها حلفاؤهم البيزنطيون . ولكن هذا الغزو يفتقر إلى معطيات بشأن ، ما حققه من نجاح ، إذ كان على الأرجح مجرّد « حملة استطلاعية » « 1 » ، سرعان ما أقفلت عائدة دون نتائج تذكر . بيد أن « موسكاتي » يرى أن الغزو استغرق وقتاً أطول ، وأسفر عن نتائج أكثر أهمية ، إذ يقول : « عند التقاء القرن الثالث بالقرن الرابع الميلاديين ، حقق توسّع الأكسوميين ( الأحباش ) فتوحاً هامة في جبهاته الأساسية ، فقد احتلّوا اليمن بضع عشرات من السنين بدليل ذكرها في ألقاب السيادة التي اتخذها ملوك أكسوم في نقوشهم « 2 » . وقد لا يكون ما ذهب إليه موسكاتي دقيقاً إلى هذا الحد ، لا سيما وأن النظام اليمني ( الحميري ) استمرّ بآلياته وعلاقاته ، دافعاً الأحباش إلى الجلاء ، بصرف النظر عن قصر مقامهم أو طوله في هذه البلاد ، كما أن انتظارهم نحو قرنين لمعاودة هذه المحاولة ، لا ينبئ بمكوثهم تلك السنين على أرضها ، فيما جاءت الحملة الثانية ( 525 م ) متزامنة مع ظروف أكثر ملاءمة لنجاحها ، بعد اضطراب النظام الحميري ، ومستأثرة بالتالي ، بتفاصيل أكثر وضوحاً في المرويات التاريخية ، وإن ظلّت أهدافها ملتبسة إلى حدٍّ ما ، لا سيما في دوافعها المباشرة التي يربطها المؤرخون بحادثة « الأخدود » في السياق القرآني . وإذا كان موسكاتي يقلّل من شأن الدين كحافز للحملة الثانية ، انطلاقاً من حداثة عهد الأحباش بالمسيحية في ذلك الحين ، فإنه يعترف في الوقت عينه بتأثيره في العلاقة مع البيزنطيين ، وتعاطف هؤلاء معهم ، مما يتضح في قوله : « ليس من المقطوع أن الملك ( الحبشي ) كان متأثراً بدوافع سياسية حين اعتنق المسيحية . . ( ولكن ) أفاده ذلك في تقوية الروابط ببيزنطة ، الحامية الطبيعية لكل نصارى الشرق « 3 » . وهكذا فإن موسكاتي لا ينفي تماماً دور الدين في احتدام المنافسة بين الحبشة المتنصّرة و « اليمن غير المسيحية » « 4 » ، إذ إن وجود ملك متهور برأيه في الأخيرة ( ذو نؤاس ) ، رجّح هذه الاعتبارات الدينية « 5 » . فالمناخ السائد حينذاك في اليمن ، ربما وفّر أسباب التدخل الخارجي ، حيث نشط فيها منذ النصف الثاني للقرن الرابع مبشرو النصارى السريان الذين تجلى نجاحهم خصوصاً في نجران وما حولها ، ويشير اليعقوبي في هذا السياق إلى مدى التدهور الذي شهدته حمير ، تزامناً مع ملوك سيئي السيرة « 6 » تعاقبوا عليها ، وكانوا عاجزين عن التصدي لحركة دُعاة الأديان في دولتهم ، حتى إذا كان عهد الملك ذي نؤاس ، بلغ الصراع أشدّه بعد اعتناقه اليهودية ، من دون أن تحمل المرويات التاريخية تفسيراً لذلك . ولعل موجة التغير التي حظيت بتشجيع خارجي ، ما دفع الملك الحميري إلى استمالة اليهود دعماً لموقفه الاعتراضي على هذه الموجة ، واتخاذ قرار حاسم بالانتقام من نصارى نجران « 7 » . وفي ضوء ذلك اتخذ الأحباش من حادثة الأخدود ( نجران ) ، ذريعة للتدّخل في اليمن ، ولم يلبث ملكهم أن وجه حملة كبيرة إليها بقيادة « أرياط » ومعه « أبرهة » ، حيث تصدّى لها حسب اليعقوبي

--> ( 1 ) نبيه عاقل ، تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص . 102 . ( 2 ) الحضارات السامية ص . 215 . ( 3 ) الحضارات السامية ص . 215 . ( 4 ) المكان نفسه . ( 5 ) المكان نفسه . ( 6 ) تاريخ اليعقوبي ج . 1 ص . 198 - 199 . ( 7 ) المسعودي ، مروج الذهب ج . 1 ص . 80 .